لقراءة الحلقة الاولى والثانية اضغط هنا

 

ثلاثون يوماً في حضرة العراق!!

-------------------------------

فالح حسون الدراجي

شبابيك-كاليفورنيا

falehaldaragi@yahoo.com

------------------------------

الحلقة الثالثة :-

 

الما يزورِّﭺ  بغداد  عُمرَه  خسارة!!

-----------------------------------



 فالح الدراجي مع رئيس الوزراء نوري المالكي


 الدراجي مع المالكي


 المالكي يستقبل الزميل الدراجي


 اللواء قاسم عطا، والدراجي، والصحفي محمد مؤنس.


 من اليسار الدراجي، والمستشار الإعلامي، وحسام ، والصحفي عبد الهادي مهودر.


 من اليمين المستشار الإعلامي، وعبد الهادي مهودر، وحسام حسن، وأحد العاملين في المركز الوطني للإعلام.


 صورة تجمع بين الإعلامي سالم مشكور، والدراجي، والمصور حبيب عبد المجيد، وحسام حسن.


 حسام حسن، والمشجع الرياضي مهدي، والدراجي، وعبد العزيز عبد الله شبرم رئيس نادي الزعيم في الصويرة.


 صورة تضم مجموعة من الإعلاميين : من اليسار :المصور الصحفي علوان السوداني،والدراجي، وعلي المالكي، وحسام حسن، والمصور حامد العبودي، والصحفي عدنان لفتة.


 الدراجي يحيي الجمهور الكروي في ملعب الشرطة.


 الزميل فالح الدراجي في فندق المنصور.


 الدراجي في لقاء مع إحدى القنوات الفضائية الرياضية في ملعب الشعب.


 من اليسار المشجع مهدي، والدراجي، وحسام، وهشام حسن، وعدد من الإعلاميين العراقيين

هوامش على متن الحلقتين السابقتين :
-----------------------------------
تلقيت رسائل، ومكالمات عديدة بعد نشرالحلقتين السابقتين من هذا التحقيق المصورَّ، وأظن بأن كثرة الرسائل، وتنوعها يعود لكون هاتين الحلقتين قد نالتا نصيباً طيباً من النشر، لاسيما وقد نشرتا في مواقع مقروءة، مثل جريدة البينة الجديدة التي يطالعها جمهورواسع في الداخل، وموقعي صوت العراق، وشبابيك المعروفين لجمهور كبير من القراء في الداخل والخارج، فضلاً عن مبادرات بعض المواقع الصديقة التي قامت بنشرهما نقلاًعن هذين الموقعين.
ومن الطبيعي أن يختلف شكل ومضمون هذه الرسائل، ففي الوقت الذي أشاد فيه بعض مرسليها بما جاء في الحلقتين من أفكاروأهداف ونوايا ونقل أمين، حتى أن أحد الزملاء من أصحاب المطابع أعتبرهذا التحقيق شكلاً جديداً من أشكال أدب الرحلات مقترحاً علينا أن نكمل كتابة الحلقات الأخرى، كي يقوم بنشرها في كتيب خاص ... وكم أفرحنا رأي الفنان القدير روميو يوسف، حين قال لنا عبر الهاتف : بأنه قررالسفر الى العراق بعد غياب ثلاثين عاماً، بعد أن قرأ العرض الطيب الذي جاء في هاتين الحلقتين، حتى بات من شدة إعجابه يتخيل نفسه يتجول معنا في بغداد ونحن نتنقل بين المواقع والمطاعم، والشوارع، والمراقد، والبيوت، والملاعب، لذلك فقد قرر فناننا القدير روميو يوسف أن يكسرالحاجز النفسي والأمني، ويمضي الى بلده العراق.. أقول إذا كان بعض الأخوة المرسلين قد أشاد بما نشر، فإن بعضهم قد إنتقد أيضاً الطريقة والأسلوب، والغاية التي كتبت لأجلها هذه التغطية. ولعل من الغريب في الأمر، أن نرى البعض يتهمنا (بالإنحياز) للعراق! والبعض الآخر يتهمنا بالعمل لصالح حكومة المالكي، والعمالة لصالح حكومة مدغشقرالإشتراكية!
حتى أن أحد الأخوة القراء سألني قائلاً :- كم قبضت مقابل هذه الدعاية ؟
وأنا هنا لا أريد أن أرد على أصحاب هذه الرسائل قط، لأني لست من هواة الرد، ولامن محبي التعقيب على آراء الآخرين بقدرما أريد أن أوضح وأقول بصوت عال :- نعم أنا منحاز للعراق... وهل من عيب في الإنحياز للوطن؟! أعترف بإني أحب العراق ( وأموت عليه)، وأسعى بكل قوة، لأن أقول للعالم بأن بلدي العراق قد إجتازمحنة التقسيم، وعبرالإمتحان الصعب بجدارة، وإن المشروع الطائفي قد سقط في العراق بالضربة الوطنية القاضية، وإن تلك الأخوة والمودة العراقية السابقة قد عادت بشكل أقوى، وأصلب، وأكثر متانة من قبل، وإن لغة المرح، والنكات، والطرائف (الطائفية) والقومية اللطيفة، التي كانت متبادلة بين الطوائف العراقية المختلفة أيام زمان، قدعادت مثل قبل، بعد أن كادت تختفي نهائياً لصالح لغة السلاح والقتل والتدمير السوداء! ويقيناً إن نسبة الموت والقتل والتهجيرقد إضمحلت الى مستويات متدنية جداً في العراق بشهادة المؤسسات المتخصصة التابعة للأعداء والأصدقاء سوية. لقد أردت أن أقول في هذه الحلقات :- بأن تسعين بالمائة من مجموع مايبثه الإعلام العربي هوكذب، وإفتراء كبيران، فالحقيقة الناصعة التي يمكن أن يقاس عليها الأمن والسلام في العراق، هي الشارع العراقي، فمثلاً شارع الكرادة الذي نتجول فيه الآن- أنا وزميلي حسام حسن- يتجول فيه في ذات الوقت آلاف العراقيين الواثقين، وهم يتبضعون ليلة العيد من مئات المحلات التجارية المفتوحة بثقة وأمان،على الرغم من أن الساعة الآن قد تجاوزت الحادية عشرليلاً، وأظن بأن هذا كافٍ لكي يتيقن العالم من سلامة الوضع الأمني في العراق علماً بأن هناك عشرات الأمثلة والأدلة والحقائق الأخرى، وهل ثمة حقيقة أقوى من وجود خمسين ألف متفرج عراقي في ملعب الشعب الدولي جاءوا ليشاهدوا مباراة في كرة القدم، أم أن هناك مثالاً أقوى من مثال الأنغام الموسيقية، والأصوات الغنائية التي تصدح ليلياً في أغلب فنادق بغداد وقاعاتها، فضلاً عن إزدحام هذه الفنادق إسبوعياً بحفلات الأعراس، وأنغام الفرق الموسيقية الشعبية، خاصة يوم الخميس، رغماً عن أنوف الإرهابيين.
فأين العيب في من يحث إخوته المنفيين والمهجرين، والمهاجرين على زيارة بلدهم العزيز، والإطلاع على أحوال وطنهم، ورؤية تجربة شعبهم عن كثب، تلك التجربة المنيرة التي لم يرها، ولن يراها الإعلام العروبي أبداً، لاسيما وإن هذا الإعلام، الذي كان مشغولاً بنقل وتصويرضحايا الأحزمة المتفجرة، والجيف المنتحرة هنا وهناك، ومختبصاً بعمليات القتل التي قد تحصل بين وقت وآخر في العراق، والمشغول اليوم أيضاً بمعبر رفح، وجمع التبرعات العربية لأصحاب الكروش أمثال هنية، وغنية، والزهار، وشلح، وبلح، أقول : إن هذا الإعلام المشغول حتى النخاع بقضايا الأمة العربية ليس لديه الوقت الكافي لأن يلتفت اليوم - ولو لمرَّة واحدة - لما يحصل في العراق، فينقل التطورات الأمنية، والإجتماعية، والديمقراطية الحقيقية، لذا، فقد أصبح من واجبي الوطني، وكذلك الأخلاقي أن أنقل بأمانة كل مارأته عيناي العراقيتان المُحِبَتان والمُبصِرَتان من تطور، وإعمار، وحياة وحريات، وتقدم، وليس ما رأته عيون الآخرين المصابة بعمى الألوان والحقد والغيرة فلاترى من جمال العراق، وخيراته، وإبداعه غيرسواد الموت والقتل، والتدمير، ولاتسمع عن مؤسساته غير أخبار الفساد، والرشى ( وسرقة موارد النفط )!!
أنا لا أريد أن نصُمَّ آذاننا عن أنباء الفساد وسرقة موارد النفط - وهي كثيرة - والحمد لله، ولا أن نديروجوهنا عن الأخطاء الإدارية والفنية والسياسية التي تحصل في مرافق الدولة العراقية، وهي كثيرة، والحمد لله أيضاً، إنما على العكس، فأنا أدعو لفضح جميع اللصوص، والمفسدين والمرتشين، ومحاسبة المخطئين، والمسيئين، وفضح السياسيين الذين يتاجرون بالقضية الوطنية، لكنني في نفس الوقت أدعو الى ان نسمع، ونرى أيضاً هذا الكم الهائل من الإنجازات الوطنية والإجتماعية التي تتحقق كل يوم، وأن نبصرهذا الجمال وهذا الحب الذي يشع من عيون العراقيين، فالمحبة، والسلام، والحرية هي الأعمدة القوية التي يقوم عليها جسر التواصل، الذي يربط بين منافي الغربة الباردة، وأحضان الوطن الدافيء، وبدون هذه الأعمدة الثلاثة، فلن ينهض جسرالوصال الى الأبد. إن مايحدث اليوم في العراق بمثابة قفزة كبيرة على طريق التقدم والحرية، والرفاه، قياساً الى ماكان عليه الحال قبل عام، أو حتى قبل ثلاثة أشهر، وأنا لاأستطيع أن أغمض عيني تجاه هذا المتحقق!! وإذا كان البعض يضع هذه الإنجازات في رصيد شخص واحد، فهذا ليس ذنبي، فأنا ومعي الملايين نضع هذه النجاحات في رصيد جميع العراقيين المؤمنين بالعملية السياسية، بما فيهم (المسلحون) الذين رموا أسلحتهم بقناعة وتوجهوا بصدق نحو صناديق الإنتخاب لينخرطوا تماماً في العملية السياسية ويساهموا ببناء بلدهم، ويقيناً إن هذه الإنجازات هي نتاج تضحيات العراقيين المحبين لوطنهم، والمخلصين لقضيته التحررية، وليس نتاج شخص معين..!

طائرة خمسة وزراء!!

----------------------

بدعوة خاصة من معالي وزير الشباب والرياضة، ذهبنا أنا والزميل حسام حسن الى محافظة البصرة للمشاركة في إحتفال وضع الحجر الأساس لبناء المدينة الرياضية التي ستحتضن بطولة الخليج العربي الحادية والعشرين، حيث إنتقلنا في طائرة خاصة الى هناك، وقد كان معنا على متن الطائرة خمسة وزراء، هم وزراء الشباب، والأمن الوطني، والعلوم والتكنلوجيا، والإعمار والإسكان، والهجرة والمهجرين (أو وزارة الحُجرَة والمُحجَّرين) كما يلفظها الكابتن عمو بابا، ولأن الطائرة خاصة، وعلى متنها هذا الحشد من الوزراء والمسؤولين فقد كانت رحلتنا قصيرة جداً، بحيث لم يكفِ الوقت للسلام على بعضنا، حتى أني سلمت على عدد منهم في صالة المطار. المهم إننا أنتقلنا من مطار البصرة الى موقع الإحتفال بموكب كبيرمن السيارات الفاخرة والفخمة ( أكثرمن عشرين سيارة آخرموديل )، حيث تنتظرنا هناك جماهيرالبصرة، التي جاء بعضها من مناطق بعيدة جداً، فكان من الطبيعي أن نجد أمامنا هناك الرياضيين والفنانين والشعراء، وكالعادة، فقد كان للمرأة البصرية حضوراً رائعاً أيضاً، فضلاً عن تواجد الجمهورالبصري المعروف بحبه وعشقه للرياضة، ناهيك عن حضور أغلب المسؤولين في محافظة البصرة، حتى غصَّت السرادق بهذا الحضورالكبير رغم كثرة عدد السرادق وإتساعها، فكان بحق حفلاً فنياً جماهيرياً كبيراً، ولعل من المفارقات اللطيفة، أن يكون مكاني في الحفل قريباً من مكان جلوس اللاعبين الدوليين الكبيرين، علاء أحمد، وجليل حنون، وما أن رآني اللاعب جليل حنون حتى نهض، وتقدم نحوي، فنهضت له، وتصافحنا بحرارة، وهنا سأله أحد الصحفيين البصريين قائلا :- إستاذ جليل، يبيِّن عرفته للأستاذ الدراجي؟!

فأبتسم له اللاعب جليل حنون، وأجابه بثقة قائلاً :-

يمعود، ليش أكو واحد مايعرف الأستاذ عبد الجبار الدراجي؟!

آني ( عضوة برلمان ) قابل موظفة مثلكم !!

-------------------------------------------

ما حصل في السيارة التي أقلتنا من مطار البصرة الى موقع الإحتفال أمر لا يمكن المرورعليه مروراً بسيطاً، أو ( تطنيشه )، والعبور فوقه، بخاصة لمن يريد أن يسجل ويوثق مشاهداته بأمانة، وينقلها للناس بصدق... فالحكاية التي أود ذكرها هنا، تمت في السيارة التي كانت من نوع (باث فايندر) - أي التي تستوعب ستة ركاب - وقد كان سائقها البصري الذي تجاوزالستين من عمره رجل طيب جداً، وأذكر أني جلست في المقعد الوسط بين سيدتين ... الأولى تعمل مديرة مكتب وزيرة الأعمار والإسكان، والأخرى لا يعرف أحد منا عملها، بخاصة وقد كانت ( أمبوزَّة علينا طول الطريق )!! أما في المقعد الخلفي فقد جلس الزميل حسام، والدكتورة عاصفة، وهي إعلامية، فضلاً عن وظيفتها كمسؤولة للعلاقات في وزارة الشباب، كما جلس معهما أحد الموظفين في وزارة الشباب أيضاً .وقد كان ترتيب سيارتنا في هذا الموكب ( الطائر) السابع تحديداً، بمعنى أن أمامنا في الموكب ست سيارات، وخلفنا حوالي خمس عشرة سيارة، بينما كانت سرعة الموكب فظيعة، إذ ربما يصل معدلها الى ألف كيلومترفي الدقيقة، وأعتقد بأن وجود خمسة وزراء كبار، وعشرات المسؤولين والإعلاميين، جعل هذا الموكب يطيرعلى الأرض، ولا يمشي فوقها. وبينما كان الموكب ( طائراً )، طلبت السيدة التي كانت تجلس على يميني من السائق، أن يوقف السيارة في منتصف الطريق، لكي تنزل، فهي، وكما تقول قد وصلت الى مكانها، إلا إن السائق إعتذر لها بأدب، مما (عصَّب ) هذه السيدة، وجعلها تحتد، وترفع صوتها نحوه بقوة، وهي تقول له : - شوف إبني!! فأجابها السائق مازحاً : - نعم أمي!! فأغاضها هذا الجواب، لتقول له بعصبية واضحة : إسمع .. لمن أكَلك أوكَف، فلازم توكَف حالاً، لأن آني عضوة برلمان، تعرف يعني شنوعضوة برلمان لو متعرف؟ خو مو موظفة مثلكم، بعدين آني ما جايه ويَّه الوفد ( مالتكم )، آني جايه بالطائرة الخاصة لبيتي بالبصرة.. إسمعت؟!

صمت السائق لحظات، ثم قال لها :- أستاذة الله يخليج، آني رجل موظف، يعني ( عبد مامور )، وعندي أوامر صريحة، بأن ما أوكَف بالطريق مهما تكون الأمور، ومهما يكون الشخص الراكب معي، يعني حتى لوصاعد ويَّاي رئيس الوزراء، موعضوة بالبرلمان...هذي أوامر ومستحيل أخالفها .. زين؟ وأستمر السائق في مسيره، دون أن يلتفت لكلام ( العضوة )، وتمتماتها...!! وأزاء هذه ( اللبسة ) من السائق، أدرت وجهي نحو الزميل حسام، والدكتورة عاصفة، وأطلقنا ضحكة خفيفة مشتركة، مما جعل ( العضوة ) تلتفت بعصبية الى الخلف، لترى من الذي ضحك، فجاءت عيناها الكحيلتان بعيني الدكتورة عاصفة، فأبتسمت لها الزميلة عاصفة، وقالت لها بلطف : الا تتذكريني أستاذة .. أنا التي أجريت لك مقابلة إذاعية قبل عام تقريباً.. ويبدو أيضاً أنك لم تعرفي الأستاذين حسام حسن، وفالح حسون الدراجي وهما إعلاميان ( معروفان) يقيمان في أمريكا، وقد جاءا لزيارة العراق.. إنتبهت (العضوة ) لكلام عاصفة جيداً، ثم حدقت بوجه حسام، وبوجهي، ثم قالت بإرتباك واضح : ها .. أي .. أي أعرف .. أعرف .. !! ثم أشاحت بوجهها نحو الجهة الأخرى من الشارع، ولسان حالها يقول : (إنلاصت )، أي هذوله إشجابهم بها الساعة؟! مرت لحظات صمت كسرها السائق حين قال : إتشوفون هاي المنطقة أشكَد آمنة، والله العظيم قبل سنة محد كان يكَدريمشي بيها بهذا الوقت حتى لوشايل بيده مدفع. بس ألله يطول عمر نوري المالكي سوَّاها أمان، وخَّله الناس تمشي. فقلت : أي والله، الله يطول عمر المالكي..!! رفعت العضوة رأسها نحوي، إذ يبدو أن كلامي لم يعجبها، وقالت لي : - أﮔول، لعد ليش مينطيك المالكي فد منصب وتجي أهنا تشتغل، مو أحسن لك؟ ضحكت، وقلت لها ببرود : أولاً : آني مو من جماعات المناصب، يعني لا أحب المنصب، ولا المنصب يحبني.. ثانياً : المالكي مايوزع مناصبَ....!! صمتت ( العضوة ) ولم تجب، حتى وقفت السيارة في أول ( إشارة ضوئية ) لتحمل حقيبتها وتقفز مثل لص مطارد .. وقبل أن أنهي هذه الفقرة، أحببت أن أشير الى مفارقة مهمة تركزت في وجداني، فقد رأيت عبرنافذة السيارة، أن ثمة الكثيرمن أبناء سكنة الضواحي المحيطة بمدينة البصرة، مازالوا حفاة، في الوقت الذي لم يعد هناك طفل في الدنيا حافي القدمين، كما رأيت بعض الفلاحين، والفقراء يرتدون ( الكلاش ) القديم المتهريء، في حين أن فلاحي الصومال، وأرتيريا، والسودان قد إستبدلوا ( الكلاش ) بالجزمة منذ زمن!! حتى تساءلت مع نفسي وقلت : لعد وين يروح نفط البصرة ياعالم .. ياناس؟!
في ملعب الشرطة .. وملعب الشعب!!
-------------------------------------------

زارنا في الفندق عدد كبيرمن الزملاء الصحفيين، ولعل الزملاء منعم جابر، ومحيي دواي التميمي، وعبد الرحمن فليفل، أكثرهؤلاء الزملاء تردداً علينا، إذ لم ينقطعوا عن زيارتنا قط، وفي يوم جميل مشمس، زارنا هؤلاء الأحبة، وقد عرضوا علينا الذهاب الى ملعب الشرطة لمشاهدة مباراة القمة بين نادي أربيل المتصدر، وفريق الشرطة المتقهقر، وللحق فقد تحمست لمشاهدة هذه المباراة كثيراً، ليس لأني شرطاوي فحسب، وليس لأننا لم نر مباراة حيَّة في الدوري العراقي منذ سنوات بعيدة فحسب أيضاً، بل ولأنها مباراة كبيرة ومهمة، وستكون حتماً مباراة مثيرة، وهكذا ركبنا في سيارة الزميل محيي دواي، أنا وحسام ومنال السهلاني، ولما وصلنا ملعب الشرطة كانت المباراة قد بدأت منذ أكثرمن خمس عشرة دقيقة، ولأن الباب الرئيسية مقفلة، ولكي نصل الى المقصورة، كان لزاماً علينا أن ندخل من الباب الخلفية، ثم نمشي على ( تراك ) الملعب الأرضي، وأمام الجمهورالكبيرمسافة ليست قصيرة..! وما أن دخلنا الملعب، ووضعنا أقدامنا على أرضه، حيث شاهدنا الجمهور، وتعرف علينا، حتى وقف على طوله، وهويهتف بإيقاع واحد، وصوت واحد : ( فالح.. فالح )، وتارة ( حسام... حسام ) وتارة أخرى : (حرَّة حرَّة حرَّة)!! وصدقاً بإني لم أتحمل هذا الموقف، حتى سقطت دموعي رغماً عني، فألتقفها بعض الزملاء الصحفيين، لتخرج الصحف الرياضية في اليوم الثاني، وهي تقول : ( دموع فالح الدراجي الوفية تبلل أرضية ملعب الشرطة )!!...لقد كانت بحق، لحظات دراماتيكية مثيرة، فالجمهور الذي ترك المباراة، وراح يهتف مرحباً بنا، ومحيياً دون توقف، كنا في المقابل لانملك غير أن نرفع أيدينا لتحيته، حتى أن حسام ألتفت نحوي بتأثر، وقال :- إن هذا الجمهور يستحق أن نتعب، ونضحي من أجله، والحمد لله، فإن تعبنا وجهدنا لم يضع!! لقد كنت أشعر بأن هذا التصفيق، والهتاف ليس لشخصي، او لشخص حسام فحسب، بل كان تصفيقاً للعملية السياسية كلها، وللطريق المهني والوطني الذي إخترناه، وهو في نفس الوقت تصفيقاً، وهتافاً لكل الزملاء الصحفيين، ولكل الكتاب العراقيين الأحرار، الذين وقفوا ذات الموقف، سواء من كان في الداخل، أوفي الخارج، إنه بإختصارشهادة نجاح الديمقراطية، ونجاحنا نحن. والمفرح أن هذا المشهد قد تكرربعد ثلاثة أيام في ملعب الشعب أيضاً، عندما كان نادي الزوراء يلاعب نادي الكوفة حيث إستقبلنا الجمهورإستقبالاً رائعاً، ناهيك عن تلك الحفاوة التي إستقبلنا بها مدرب، ولاعبو الزوراء بين شوطي المباراة، إضافة الى إحتفاء الزملاء بنا، بخاصة مراسلي الصحف، والقنوات الفضائية الرياضية، إذ لم يكتف هؤلاء الزملاء الأحبة بإستضافتنا، بل أن بعضهم راح يطلب منا - إعتزازاً وتقديراً - أن نشترك معه في تقديم بعض فقرات البرامج الرياضية! ولا أكشف سراً لو قلت، بأني حققت في زيارتي هذه، الكثيرمن تلك الأحلام التي كانت تراودني في ليالي الغربة الطويلة، فكم مرة حلمت أن أكون في ملعب الشعب الدولي، وأن أدخل من هذه الباب، وأن أحيي هذا الجمهورالكروي، وأن أسمع صيحات الجمهور، وخاصة العزيزين قدوري، ومهدي - بالمناسبة فإن لقدوري ولداً شهيداً (ضابط شرطة) أستشهد وهو يتصدى للإرهاب قبل عامين تقريباً-!لكن الشيء الذي لم يتحقق في تلك الأحلام، هوالغياب القسري للكثيرمن وجوه الأحبة الفنانين والشعراء، وكذلك الصحفيين، والرياضيين الذين كانوا يقاسموننا متعة مشاهدة مباريات الدوري في هذه المقصورة أيام زمان، فبعضهم أخذته الغربة بعيداً بعيد، وبعضهم ذاب في لهيب الظروف وقسوة الحياة، ومنهم من رحل الى العالم الآخر، فكان غياب هذه النخبة من الصحبة الحلوة، قدعكر صفو سعادتي وفرحي.

سبعون دقيقة مع ( أبو إسراء ) !!
----------------------------------
كنت قد إتصلت بالمستشارالإعلامي لدولة رئيس الوزراء الزميل، والصديق الأستاذ ياسين مجيد، وقدعرضت عليه رغبتنا في اللقاء بدولة رئيس الوزراء نوري المالكي، وبعد ساعتين لاأكثرإتصل بي الأستاذ ياسين ليخبرني بموعد المقابلة مع دولة رئيس الوزراء، لقد تحقق الموعد بشكل سريع جداً، رغم إنشغال السيد المالكي، ومسؤولياته المهمة، والكثيرة أيضاً. ذهبنا أنا والزميل حسام في أحدى السيارات الحكومية الخاصة، وخلال دقائق وجدنا أنفسنا في رئاسة مجلس الوزراء، وقبل أن ندخل على سيادته، وجدنا أمامنا هناك عدداً من الزملاء والأصدقاء، كان من بينهم الزميل والصديق عبد الهادي مهودر، والزميل علي الموسوي، والصديق آدم القريشي وغيرهم، لحظات قصيرة، لندخل بعدها على دولة رئيس الوزراء، وما أن دخلنا حتى خرج الرجل من خلف مكتبه ليستقبلنا بوجه باسم عند الباب، ويحيينا بحفاوة كبيرة، ولسانه يلهج بالترحيب والإطراء، فكانت لحظات مؤثرة جداً، حتى شعرت وهو يصافحني ويعانقني كأني أعانق واحداً من أفراد أسرتي، وليس رئيس وزراء أكبردولة في المنطقة، وكذلك الحال نفسه مع زميلي حسام، فقد شعرت بتأثره البالغ وهو يرى المالكي يعانقه عناق الأخ لأخيه ويسأله عن أحواله، لقد كان المالكي يحيينا بأسمائنا، فمرة تراه يحدثني، ومرة يحدِّث حسام، ومرة أخرى يلتفت نحوالأستاذ ياسين مجيد، ليشيد، ويؤكد على الدورالكبير للإعلاميين، والمثقفين العراقيين في الخارج.. لقد تحدث الرئيس المالكي كثيراً عن المرحلة، وحساسية الظروف التي يعيشها البلد، ولم يخف الرجل رأياً، او موقفاً صعباً الاَ وأخبرنا به. لقد شعرنا بثقته الكبيرة بنا، فزادنا إيماناً بدور الإعلامي، وأهميته الوطنية.. بعد ذلك طلب دولة الرئيس منا أن نتحدث له عن ظروفنا، ومشاكلنا، وما يعانيه المثقفون العراقيون في الخارج والداخل، فكان لي شرف التحدث أولاً، وقبل ذلك، كنا قد أتفقنا انا والزميل حسام، على أن نطرح عدداً من القضايا، والصعوبات، التي نعرفها عن أوضاع الزملاء معا، فقلت له : سيدي دولة الرئيس إن لدي عدداً من القضايا العامة مع قضية واحدة خاصة بي .. فضحك المالكي، وقال : إذاً دعنا نبدأ من الخاصة بك؟ قلت له :لاسيدي، إسمحلي أن نبدأ من قضايا الزملاء أولاً؟ فقال : لك ماتريد قلت له : لقد إلتقيت بشرائح عديدة من المجتمع العراقي، ولم أجد شريحة أفقرمن شريحة الصحفيين والشعراء .. فهل تصدق مثلاً أن بعضهم لايملك ثمن مكالمة هاتفية لصديق، او قريب له في الخارج، بل أن بعضهم لا يملك ثمن حبة الدواء!! وقد ضربت للسيد المالكي مثلاً بأسماء مهمة وكبيرة من الشعراء، والفنانين، والرياضيين العراقيين، وشكوت له ظروفهم الصحية القاسية، وما يعانون من آلام ومتاعب.. فأوعز سيادته في الحال بتشكيل لجنة خاصة عليا لمتابعة ظروف الشعراء، والفنانين، والرياضيين الصحية، لكنه طلب أن يكون المريض موجوداً في بغداد كي تراه اللجنة الطبية وتقيم حالته الصحية في الوقت المطلوب، وبالفعل فقد إلتقت اللجنة الخاصة بعد ذلك بعدد من الأسماء التي طرحتها على دولة رئيس الوزراء، إذ تم إقرار معالجة عدد منهم خارج العراق.. والنظربالأسماء الأخرى التي لم تلتق بها اللجنة بعد!! ثم طرحت قضية الصحفيين العراقيين ومعاناتهم، فطلب سيادته تحديد موعد قريب لمقابلة الزميل نقيب الصحفيين من أجل مناقشة رزمة المطالب المهنية التي كان قد تقدم بها الزميل مؤيد اللامي من قبل، وبالفعل، فقد ألتقى دولة رئيس الوزراء بعد مقابلتنا بأيام قليلة بنقيب الصحفيين، وعدد من أعضاء مجلس النقابة، وقد وافق في هذا اللقاء على عدد مهم من طلبات الصحفيين، حيث أعلن عن ذلك في وسائل الإعلام ... كما إني عرضتُ على سيادته موضوع إقامة مؤتمر للصحفيين العراقيين المقيمين في الخارج، من أجل التباحث حول القضايا التي تهم حياتهم، وأوضاعهم في الخارج، وقد أجاب السيد ياسين مجيد على هذا السؤال، بأن دولة رئيس الوزراء قد وافق على إقامة هذا المؤتمر في بغداد منذ فترة طويلة، والموضوع الآن متروك للنقابة لتحديد موعد عقده، وهنا ألتفت ألينا المالكي مكملاً، فقال : أرجو من الأخوين فالح وحسام، أن يبلغا بإسمي شخصياً كل المثقفين العراقيين في الخارج، وكذلك الرياضيين وأصحاب الشركات والمصالح، والكفاءات، بل وكل من له رغبة بزيارة بلده العراق، بأنه مدعوٌ من قبلنا لزيارة وطنه، في أي وقت يشاء، وعلى حساب الحكومة العراقية وصدقاً بأننا لا نريد منه شيئاً سوى أن يزور بلاده ويرى أحوالها بعينه وليس بما يسمعه من الإعلام، ليقرربعدها ما يشاء. بعد ذلك طرحت على دولة رئيس الوزراء قضية فيلم في أقاصي الجنوب، وما يعانيه المخرج العراقي البارز هادي ماهود، حيث يروم بيع بيته لكي يموِّل إنتاج هذا الفيلم الوطني الكبير، كما ذكرت له تعاطف جموع المثقفين العراقيين مع هذه القضية، حتى كادت تصبح قضية للراي العام، هذا وقد وافق دولة رئيس الوزراء في الحال على دعم الفيلم، مشيراً بدور السينما الهادفة والملتزمة وطنياً وإنسانياً في تهيئة المناخ النفسي لصناعة وطن حر، وديمقراطي، وكذلك إعداد مواطن ملتزم بقضاياه الإنسانية والوطنية الكبيرة. وقد طلب المالكي من مستشاره الإعلامي متابعة الأمر وربما سينهي الأستاذ المستشار هذه القضية خلال الأيام القادمة.. بعد أن تنتهي إنتخابات مجالس المحافظات...وقبل أن أطرح قضية عامة أخرى، ضحك دولة رئيس الوزراء وقال لي- : لعد إشوكت راح تطرح قضيتك الخاصة؟

قلت له : سيدي دولة الرئيس، ليس لديَّ قضية خاصة، وكذلك الزميل حسام، فهو مثلي ليس لديه قضية شخصية، لكني أردت أن أشرك الخاص بالعام، وأقول لكم، بأن المجرم صدام كان قد أعدم شقيقي الكبير ( وهوعين الكَلادة ) كما يقولون، لأنه ينتمي لحزب سياسي معارض، وكل ما أريده منكم يادولة الرئيس، هو القلم الذي وقعتم به إعدام المجرم صدام. .. فهو أعظم هدية لي، ولعائلتي المنكوبة؟ رفع المالكي رأسه نحوي وقال: كم تمنيت أن أعطيك هذا القلم لكنني أريد أن أعطيه لأحدى الدول العربية (الدائنة) مقابل إسقاط ديونها على العراق، فقد علمت بأن لدى هذه الدولة العربية رغبة كبيرة، بأن يكون هذا القلم لديها!! قلت له : - إذاً إعطني قلم التوقيع على إعدام المجرم برزان؟ قال :- لقد أعطيته هدية لأحد الأخوة. لكني ( والكلام لم يزل للسيد المالكي ) أعدك بأني سأرسل لك القلم الذي سأوقع به إعدام علي كيمياوي بإذن الله!! قلت له :- هل يمكن لي، أن أعتبرهذا الأمر وعداً منكم يادولة الرئيس؟

قال رئيس الوزراء : إن شاء الله يكون ذلك !!

قلت له ضاحكاً : لعد إستعجل بإعدامه، رحمة على أمك وأبوك أبو إسراء!!

العيد مع قاسم عطا!!

---------------------

قبل يوم واحد من حلول عيد الأضحى المبارك، أتصل بنا اللواء قاسم عطا، الناطق الأمين بإسم خطة فرض القانون، وبعد التحية والمودة السلام، قال لي : - شنو رأيك أبوحسوني، تجون بكره ويَّانه أنت والأخ حسام بجولة إعلامية لمتنزه الزوراء، أولاً راح تشوفون العيد بعيون الناس مباشرة، وثانياً، راح تجددون ذكرياتكم، وتستعيدون الأيام، لأن آني متأكد أنتم لازم أجيتوا بشبابكم فد يوم للزوراء. وافقنا أنا وحسام حالاً، ودون إنتظار، وفي صباح اليوم الثاني، كنا نقف في باب الفندق، حيث ننتظراللواء قاسم عطا، الذي جاءنا مبتسماً وهو يقود السيارة بنفسه، فركبنا معه، وما أن وصلنا لمتنزه الزوراء، حتى إستقبلتنا حشود الناس الفرحة بالتحايا والسلام، خاصة الأطفال والعوائل التي قدمت للإحتفال بالعيد. وللحق فإن اللواء قاسم عطا يتمتع بشعبية كبيرة بين المواطنين العراقيين، إذ تلمسنا هذه الشعبية عبرإقبال الناس عليه والتقاط الصورالتذكارية معه، وكان الرجل يقول لنا بعد كل تحية، أوصورة تلتقط معه، بأن هذا الإعتزاز، والتقدير، هو ليس تقديراً وإعتزازاً شخصياً به، إنما هوتقدير وإعتزازبخطة فرض القانون، وهوأيضاً تقديرلدورالقوات المسلحة العراقية الباسلة، ولقيادتها الشجاعة التي خططت، وأمنت، ووفرت لهؤلاء الناس هذا الوضع الجيد، فالتقديرالذي ترونه، هو تقديرعام لكل جندي، وكل ضابط عراقي ساهم في إنجاح خطة بغداد.. ومن الجديربالذكر، أننا نلنا أيضاً حصة وافرة من هذا التقدير، إذ ألتقط الكثير من المواطنين صوراً تذكارية معنا أنا وحسام، ولعل عدسات الزملاء الإعلاميين، وكاميراتهم التي نقلت فرح الناس وبهجتهم، لاسيما الأطفال، وهم يمارسون ألعابهم بأمان...... هي ( أصدق أنباء من الصحف) .!! وأقصد بها الصحف الصفراء التي تشوه الحقائق، وتقلب الوقائع رأساً على عقب.... ومن الأشياء التي لفتت إنتباهي هو مايرتديه العراقيون، الذين رأيتهم في متنزه الزوراء، صبيحة العيد من ملابس حديثة وأنيقة وثمينة أيضاً، إذ ربما لايرتدي مثلها الأوربيون أنفسهم، كما أني سعدت أيضاً وأنا أرى لأول مرة في حياتي هذا الحشد من مسؤولي أمانة بغداد، وهم يتابعون زوار المتنزه بأنفسهم، ويلبون إحتياجات الناس بأيديهم، بدءاً من توفيرالحماية الأمنية الداخلية، وليس إنتهاء بتوفيرالخدمات، وتسهيل متطلبات الزوار،لاسيما الأطفال وكبارالسن، وللحق، فقد كان لوجود الزملاء من مراسلي، ومصوري المحطات الأرضية، والقنوات الفضائية العراقية، والعربية بهذه الوفرة، والكثرة قد أعطى حيوية، ودفقة معنوية للمحتفلين بالعيد. وكم كان رائعاً أن ألتقي هناك بعدد من الأصدقاء، والأحبة الذين لم ألتق بهم منذ فترة طويلة جداً، إذ ألتقيت بعض الأصدقاء الذين فارقت بعضهم منذ زمن الطفولة وأيام الصبا، فقد تزوجوا، وصار لهم اليوم أولاد، وأحفاد أيضاً، وقد شابت رؤوسهم، وشاخت أيضاً ملامحهم الشابة، حتى أني لم أتعرف على أغلبهم إلا (بالألف ياعلي) كما يقولو أهلنا الطيبون! ومن الصدف الطيبة، إني ألتقيت هناك بعض الزملاء الإعلاميين، الذين لم أرهم منذ سنوات بعيدة، فكان لي أكثرمن لقاء حميم في متنزه الزوراء مع بعضهم، ومنهم أخي، وصديق عمري العزيز محمد مؤنس، إذ كان اللقاء مؤثراً، لفت إنتباه الزوار، فتوثق بالدموع التي سالت على خدينا..!! وفي المقابل، فقد لفت إنتباهي أيضاً محدودية عدد الزوار، وقلتهم قياساً لما كنا نتوقعه، إذ لم يزد عدد زوارالزوراء وقتها على العشرة آلاف شخص، وحين سألت أحد العاملين في المتنزه عن سبب ذلك، قال لي هامساً، وبحذر شديد :- أولاً، الوقت بعده على أوله من الصبح، وثانياً : إستاذ ترى اليوم مو عيدنه، اليوم (عيد أخوانَّه أبناء العامة)... وصدقاً بأني لم أفهم ذلك الا بعد فترة!!

صُبي، وشيوعي، وبيدك الحساب!!

------------------------------------

أتاحت الدعوات، والولائم التي أقيمت لي في مدينة الصدر الفرصة لأن ألتقي بمئات الأقارب والرفاق القدامى، والأصدقاء، وقد حرص البعض من أشقائي على دعوة الكثير من الأحبة، حين تكون الوليمة في بيته، ومن بين هؤلاء الأشقاء، شقيقي ( كاظم أبوكرار )، الذي دعا الكثيرمن أصحابي القدامى، وشقيقي (شامل أبو سجاد ) وشقيقي (قاسم أبو محمد) الذي تكفل أيضاً بدعوة الكثيرمن الأصحاب، والزملاء الذين لايسع المجال لذكرهم الآن، كما إن شقيقي ( صلاح أبو سيف ) بذل جهداً طيباً في سبيل إلتقائي بالأحبة القدامى، والشباب معاً.. كما إني حاولت كثيراً أن أتصل بالبعض من (ربعي) القدامى، فكان أن تمكنت من دعوة بعضهم، واللقاء بهم، بينما لم أتمكن من دعوة الأحبة الآخرين، لأسباب فنية محضة، فكان من بين الذين لم أستطع التحدث معهم ذلك اليوم، وضاعت عليَّ فرصة دعوتهم واللقاء بهم، الصديق العزيز جابرالسوداني ( أبو أثير)، وكذلك العزيزغالي الخزعلي ( أبو إخلاص )، والشاعرالعزيز جواد الحمراني ( أبو آية ) الذي إتصل بي منذ اليوم الأول لوصولي بغداد.. وفي المقابل فقد تمكنت من دعوة صديقي العزيز، المناضل الشيوعي سليم ( أبو نديم ) الذي أنتقل الى منطقة الوشاش، فأنقطعت أخباره عني منذ أكثرمن عشرين عاماً، وقد حصلت على رقم تلفونه بالصدفة..... فأتصلت به، ودعوته للغداء في بيت أخي قاسم، بعد أن أعطيته عنوان الدار. فسعد الرجل وفرح كثيراً، لكنه طلب مني أن لا أخبر الحضور بأنه صابئي، ثم قال ضاحكاً : مادام أخوانك مايعرفوني، فماكو داعي تكَول الأخ صابئي!! خاصة وأخوانك إسلاميين ( للكَشر )!!.. وافقت على شرطه على مضض. وحين وصل أبو نديم، قدمته للحاضرين على أنه صديق (من أهالي العمارة) فرحب به الحضور كثيراً، ولأن أصل صاحبي من العمارة فعلاً، ولأنه رجل مثقف، وذكي جداً، ويعرف الصغيرة، والكبيرة عن عاداتنا، وتقاليدنا الدينية، والإجتماعية، ( فقد أستلم ) الجماعة بالأحاديث الدينية التي يحفظها عن ظهر قلب، وبالمواقف الشيعية، وبعض الردَّات، والقصائد الحسينية، حتى أثار دهشتي، وإعجابي معاً، إذ يبدو ان البيئة، والسجن الطويل قد علماه الكثيرمن الثقافات، بخاصة الثقافة الشيعية، فظهرالرجل وكأنه ( روزخوناً مقتدراً )! حتى إنه يتقن طقوس الطعام، بدءاً من (البسم الله) والأحاديث النبوية الخاصة بالطعام، وإنتهاء بقراءة الفاتحة على أرواح (أموات المسلمين والمسلمات)!! ولأنه صابئي، وهذا يعني بالضرورة أنه أستاذ في لغة الذهب، فقد طلبت منه أن يرافقني بعد نهاية الوليمة، وخروج المدعويين، الى سوق حي الأكراد في مدينة الصدر لشراء (ملاوي ذهب) لأم حسون، بخاصة وأني لاأفهم شيئاً في بيع وشراء الذهب، بل ولا أفهم حتى في بيع، وشراء الشلغم، فأنا أخجل من (التعامل والدِهرَة).. وأذكر أن أمي أوصتني يوماً، وأنا ذاهب لشراء تلفزيون ملون أن أتعامل مع البائع، وألحَّ عليه، حتى ( أشلع كَلبه بالعِمله)، فقلت لها : إتدللي حجية!! وحين سألت البائع عن سعرالتلفزيون، قال : (بستميَّة دينار)! فتذكرت وصية أمي، وقررت أن أنفذ الوصية ( وأشلع كَلبه ) فقلت له بحدَّة : بكم هذا التلفزيون ياحاج؟! فقال لي : بستميَّة دينار!! فقلت له :-

إشدعوه حجي.. تنطيه بخمسمية وتسعين دينار؟!

وطبعاً وافق الرجل، وقال في الحال : - خذه!! فدفعت له المبلغ، وجئت بالتلفزيون فرحاً الى البيت، لاسيما وأني نفذت وصية الوالدة، وحين وصلت البيت، وعلمت أمي بالأمر، راح تلطم على رأسها، وتقول : ولك يُمَّه صدك جذب، ذاك جبار أبن أبو الهور، أمس جاب نفس التلفزيون بأربعميَّة دينار .. جا يمَّه آنه مو كَتلك إتعامل وياَّه؟ فقلت لها : يمَّه، والله آني إتعاملت وياَّه، بس هوَّ ما أتعامل ويَّاي، شو رأساً كَلي أخذه بخمسميَّة وتسعين، يعني شسَّويله ؟!

حكيت لصاحبي سليم هذه القصة الطريفة، عندما ( نزل ) التلفزيون الملون الى مدينة الثورة لأول مرة، وأعدت عليه طلبي في مرافقتي لشراء ملاوي الذهب، لكن أبا نديم رفض ذلك، ورغم رجائي وإلحاحي، فقد ظل مصراً على عدم الذهاب معي الى سوق حي الأكراد، بل ورفض الفكرة من الأساس دون أن يعطيني سبباً واحداً.. ولأنني أعرفه عنيداً، فقررت أن أمضي معه في اللعبة، وأمزح معه، إذ أني ( لم أنصب ) عليه منذ فترة طويلة، فهمستُ في أذنه، وقلت :- شنو رأيك أبو نديم، لو أصيح هسَّه بالديوان، وأكلهم ترى الأخ صبي؟! أبتسم بقلق وقال : مستحيل تسويها أبو حسون، انت خوش ولد! قلت له : لا ومو بس أكَلهم هذا صبي، إنما أكَلهم صبي، وفوكَاها شيوعي ملحد، وأنت بعد بيدك الحساب... خاصة وأنت شفت بعينك الجماعة شلونهم، طبعاً، وأنت صارلك ساعتين تنظر براسهم على واقعة الطف، والحسين، والعباس، ومسلم بن عقيل، واللي يشوفك وأنت تفصِّل المعركة، يكَول أنت تلميذ الدكتورأحمد الوائلي مو الأخ أبو نديم الصُبي؟! رفع رأسه، وقال معانداً : يابه مادام صارت هيج، ما أروح وياك هسَّه لو ما أدري شيصير.. خوش؟ قلت له ممازحاً : خوش وكلش خوش، ثم رفعت رأسي وصحت :- ياجماعة ترى بالنسبة للأخ أبو نديم .. وقبل أن أكمل، قاطعني بلطف وتوسل قائلاً :- العفو أخويه أبوحسون، أنت كَلت نشتري ملاوي، لو نشتري إحجول؟! قلت له : لا والله ، نشتري إعجول .. مو إحجول!!

علي الكَيار .. ووزارة الأوقاف !!

------------------------------------------

سأختم هذه الحلقة الطويلة بهذا الموقف، إذ سألني أحد العراقيين المقيمين في أمريكا عن الوضع في العراق، فقلت له عن أي نقطة تسأل تحديداً؟! فقال :- عن التشدد الديني، وهل أن المتشددين في الدين مازالوا متشددين كما الأول، أم أن ثمة تغييراً، وتطوراً قد طرأ على مواقفهم المتشددة، والمتصلبة..؟! قلت له : - لا أنكر إن تطوراً كبيراً قد حصل في العراق، وهذا التطور شمل الإنسان، والعمران، والحياة وكل شيء، وقد لمست بأن الكثير من المتشددين قد غادروا بعض قناعاتهم السابقة، وهنا أرجو أن تفهم بأن ليس للتشدد معنى في قاموس الدين الإسلامي الحنيف، إذ أن الجميع يعرف بأن النبي محمد صلى الله عليه وسلم كان مرناً في إسلامه، وكذلك آل بيته الأطهار وأصحابه الكرام.. نعم لقد لمست تطوراً لدى الكثير من المتعصبين، لكن هذا لايمنع من القول بأن البعض منهم لم يزل قابضاً على مقود تشدده دون فكاك، فهو لايرى الأمورالاَّ من منظار تدينه الشديد.. وسأضرب لك مثلاً لطيفاً على ذلك، فبعد إنتهاء الإنتخابات الأولية لإتحاد كمال الأجسام في العراق، جاء أحد الأشخاص الرياضيين للبطل العالمي علي الكَيار، وقال له بصراحة : سيد علي ترى آني ما أنتخبتك أمس!! فقال له علي الكَيار بلهجته العمارية :- جا ليش خويه ما إنتخبتني؟ فقال له : والله ياسيد صراحة ما إنتخبتك، لأن أنت ماتصَّلي!! فضحك سيد علي الكَيار، وقال له : أدري خويَّه، آني إمرشح على وزارة الأوقاف، لو على إتحاد كمال الأجسام؟!

اقرأ المزيد..اضغط هنا